أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
205
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
أحدهما : المصدر الذي هو اليأس . الثاني : أنه لو لم يكن مقلوبا للزم قلب الياء ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها ، ولكن منع ذلك كون الياء في موضع لا تعمل فيه ما وقعت موقعه ، وقراءة ابن كثير من هذا ، ولما قلب الكلمة أبدل من الهمزة ألفا ، لسكونها بعد فتحة ، إذ صارت كهمزة رأس وكأس ، وإن لم يكن من أصله قلب الهمزة الساكنة حرف علة ، وهذا كما تقدم أنه يقرأ القرآن بالألف ، وأنه يحتمل أن يكون نقل حركة الهمزة ، وإن لم يكن من أصله النقل : وقال أبو شامة - بعد أن ذكر هذه الكلمات الخمس التي وقع فيها الخلاف - : « وكذلك رسمت في المصحف » . يعني : كما قرأها البزي ، يعني بالألف مكان الياء ، وبياء مكان الهمزة ، وقال أبو عبد اللّه : واختلفت هذه الكلمات في الرسم ، فرسم « يأيس » ، « ولا تأيسوا » بالألف ، ورسم الباقي بغير ألف . قلت : هذا هو الصواب ، وكأنها غفلة حصلت من أبي شامة . قوله : نَجِيًّا حال من فاعل « خَلَصُوا » ، أي : اعتزلوا في هذه الحال ، وإنما أفردت الحال وصاحبها جمع ، إمّا لأنّ « النّجي » « فعيل » بمعنى « مفاعل » كالعشير والخليط بمعنى : المخالط والمعاشر ، كقوله : وَقَرَّبْناهُ نَجِيًّا أي : مناجيا ، وهذا في الاستعمال يفرد مطلقا ، يقال : هم خليطك وعشيرك ، أي : مخالطوك ومعاشروك ، وإمّا لأنه صفة على « فعيل » بمنزلة صديق ، وبابه يوحّد ، لأنه بزنة المصدر كالصّهيل والوحيد والدّميل ، وإما لأنه مصدر بمعنى التناجي ، كما قيل : النجوى بمعناه ، قال تعالى : وَإِذْ هُمْ نَجْوى ، وحينئذ يكون فيه التأويلات المذكورة في « رجل عدل » ، وبابه يجمع على « أنجية » ، وكان من حقه إذا جعل وصفا أن يجمع على « أفعلاء » ، ك « غنيّ وأغنياء » ، وشقيّ وأشقياء » ، ومن مجيئه على أنجية كقوله : 2840 - إنّي إذا ما القوم كانوا أنجيه « 1 » وقول لبيد : 2841 - وشهدت أنجية الأفاقة عاليا * كعبي وأرداف الملوك شهود « 2 » وجمعه كذلك ، يقوي كونه جامدا : إذ يصير ك « رغيف ، وأرغفة » . قوله : وَمِنْ قَبْلُ ما فَرَّطْتُمْ في هذه الآية وجوه ستة : أحدها - وهو الأظهر - : أنّ « ما » مزيدة ، فيتعلق الظرف بالفعل بعدها ، والتقدير : ومن قبل هذا فرطتم في حق يوسف وشأنه وزيادة « ما » كثيرة ، وبه بدأ الزمخشري وغيره . الثاني : أن تكون « ما » مصدرية في محل رفع بالابتداء والخبر الظرف المتقدم . قال الزمخشري : « على أنّ محل المصدر الرفع بالابتداء ، والخبر الظرف ، وهو : « مِنْ قَبْلُ » . والمعنى : وقع من قبل تفريطكم في يوسف » . وإلى هذا نحا ابن عطية أيضا ، فإنه قال : ويجوز أن يكون قوله : « مِنْ قَبْلُ » متعلقا ب « ما فَرَّطْتُمْ » ، وأن تكون « ما » على هذا مصدرية ، التقدير : من قبل تفريطكم في يوسف ، واقع أو مستقر ، وبهذا المقدر يتعلق قوله « مِنَ
--> ( 1 ) البيت في النوادر ( 11 ) ، أمالي ابن الشجري ( 2 / 25 ) ، المغني ( 2 / 585 ) ، التهذيب واللسان « نجا » وهو من شواهد البحر ( 5 / 335 ) ، روح المعاني ( 13 / 35 ) . ( 2 ) البيت في ديوانه ( 47 ) ، الطبري ( 16 / 204 ) ، مجاز القرآن ( 1 / 315 ) ، البحر المحيط ( 5 / 335 ) ، روح المعاني ( 13 / 35 ) ، التهذيب واللسان « أفق » .